محمد بن جرير الطبري
39
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فإن قال قائل : وما معنى قوله : " وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين " ؟ وهل كان أيام إبراهيم - قبل بنائه البيت - بيت يطهر من الشرك وعبادة الأوثان في الحرم ، فيجوز أن يكونا أمرا بتطهيره ؟ قيل : لذلك وجهان من التأويل ، قد قال بكل واحد من الوجهين جماعة من أهل التأويل . ( 1 ) أحدهما : أن يكون معناه : وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن ابنيا بيتي مطهرا من الشرك والرَّيْب ( 2 ) كما قال تعالى ذكره : ( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ) ، [ سورة التوبة : 109 ] ، فكذلك قوله : " وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي " ، أي ابنيا بيتي على طهر من الشرك بي والريب ، كما : - 2009 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي " ، يقول : ابنيا بيتي [ للطائفين ] . ( 3 ) فهذا أحد وجهيه . والوجه الآخر منهما : أن يكونا أمرا بأن يطهرا مكان البيت قبل بنيانه ، والبيت بعد بنيانه ، مما كان أهل الشرك بالله يجعلونه فيه - على عهد نوح ومن قبله - من الأوثان ، ليكون ذلك سنة لمن بعدهما ، إذ كان الله تعالى ذكره قد جعل إبراهيم إماما يقتدي به من بعده ، كما : - 2010 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله :
--> ( 1 ) في المطبوعة : " قد كان لكل واحد من الوجهين " ، وهو كلام هالك . ( 2 ) الريب هنا : الشر والخوف من قولهم : رابني أمره ، أي أدخل علي شرا وخوفا ، وكأن ذلك مردود إلى قوله تعالى : " مثابة للناس وأمنا " . ( 3 ) هذه الزيادة ، من تفسير ابن كثير 1 : 315 .